الأرض الممهدة للإنسان الممهِد

أثبتت دراسة نشرتها المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع بعنوان “البيئة السكانية للمنظمات” للباحثيّن انان وفريمان سنة (1977)، مستندين على أن التجمعات لا يسعها إلا التكيف مع البيئة –وليس العكس- فهم توصلوا إلى حقيقة مفادها أن البيئة هي التي تختار أو ترفض سكاناً ما، فالإنسان عندما يقرر البحث عن المكان الملائم له للعيش فيه وتكوين أسرته والاستقرار فيه فهو يخضع لطاقات مغناطيسية تجذبه للعيش في مكان يظنه الأنسب له، لكنه في الواقع لا يعلم أن المكان أو البيئة هي التي تختاره أولاً وتقبل به وذلك استناداً إلى علم “البيئة الإنسانية” والذي هو جزء من علوم البيئة التي تدرس فضاء الإنسان والنشاطات المنظمة منه ومحيطه. إذ لا بد للإنسان أن يتصرف مع الطبيعة بصورة أخلاقية عند الاستفادة منها واستخدامها، فمدى تقبل البيئة للإنسان الذي يعيش عليها يعتمد على مدى احترامه وتفاعله معها، وذلك من خلال ما يمارسه من سلوكيات إيجابية تتقبلها البيئة وتجنبه للسلوكيات السلبية التي تجعل منه كائناً شاذاً عنها، فعندما يعمد الإنسان إلى إفساد التوازن البيئي بتلويثه لكل ما تقع عليه يداه، فهو واقعاً يمارس جريمة تتناقض مع حفظ البيئة لأن يده تُفسد وتدمر نظام الطبيعة بدلاً من تعميرها، وكون الإنسان خليفة لله في أرضه فإنه يعتبر مسئولاً وعليه تحمل هذه الأمانة ولا يجوز له أن يخون الأمانة الموكلة له، فالله سبحانه وضع نظاماً متكاملاً لهذا العالم وجعله بمثل هذا التناغم والتناسق، أما من يقوم بتخريب وإفساد هذا النظام والتناغم فلا شك أنه وكيل فاسد. البيئة التي يقطنها الإنسان ويترعرع في أحضانها من أشهر معانيها التي تهمنا يرجع إلى الفعل الماضي”بَاءَ” الذي مضارعه “يتبوّأ” وفي اللغة بَوَّأَه الله منزلاً أَي أَسكَنه إِياه، فالبيئة الأرضية أي المحيط الذي نعيش فيه من الأرض وغلافها الجوي وما عليها وما في داخلها من جماد ونبات وحيوان، وكل ذلك يشكل حلقات مترابطة يتأثر بعضها ببعض، والإخلال بنظام أي خلق من مخلوقات الله فيها يؤثر سلبا على البقية، وهذا ما ينقلنا إلى المواطنة في مفهومها المتطور والتي لا تعني بأن يكون الشخص مواطناً داخل وطنه فحسب بل عضواً نشيطاً وفاعلاً وسط المجتمع البشري ويكون ذلك بالسعي إلى تصحيح المفاهيم ومعالجة أساس السلوكيات الخاطئة، بالتالي تعتبر “التوعية” الخطوة الأولى التي تؤدي بدورها إلى دفع الأفراد ومشاركتهم الذاتية لمعرفة الطرق المثلى في التعامل مع البيئة. خذ مثلاً الآية الكريمة {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء} يوسف 56، يعرفنا الله سبحانه بكيفية تبَوّأ النبي يوسف عليه السلام لهذه المنزلة العظيمة بين قومه والذي جاء نتيجة تفاعله الإيجابي مع الناس والبيئة من حوله، وتحليه بالقيم والمبادئ السامية من أمانة وحزم وصبر وقوة تحمل وإبداع في التفكير ومحبة خرجت من قلبه ووصلت لقلوب الناس في جميع مراحل حياته، ففي بدايات عمره مع أبوه كان خير مثالٍ للطاعة والاحترام وأظهر شديد حبه لأخوته بالرغم من غيرتهم، ونستحضر دعائه المخلص لله سبحانه في البئر بدلاً من سخطه على إخوته، ووصولاً إلى قصر فرعون وسجنه ظلماً إلا أنه اعتبرها فرصة لتمكين المساجين ودعوتهم إلى التوحيد وعبادة الله سبحانه، إلى أن منّ الله عليه بإخراجه من السجن وجعله عزيزاً لمصر ومسئولاً عن خزائنها، كل تلك الطاقات الإيجابية التي كان ينشرها كانت البيئة تستقبلها وتتقبلها فمكّنه الله سبحانه من التبوء أي جعل له منزلاً أو منزلة ًلأنه كان يتصرف التصرف الصحيح مع البيئة من حيث استغلالها بأفضل الطرق،  فكان جديراً بقبول البيئة له. نحن اليوم في أمس الحاجة إلى التحلي بالمبادئ والأخلاق وتفعيلها من أجل بناء مجتمع عالمي مستدام، وتوجيه دعوة للجميع لاحترام البيئة والعناية بها من خلال شتى مظاهر الحياة على الأرض كالعدالة الاجتماعية، والاقتصادية، والديمقراطية، واللا عنف، والسلام، كي تتقبلنا الأرض التي نخطو عليها ويضمنا المكان الذي نعيش فيه، فيغدو الإنسان ممكنناً وممهداً للعيش على الأرض التي مهدت له أصلاً، قال تعالى {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا} النبأ 6، فهذه الأرض تبحث عن من يعمرها بإخلاص بعيداً عن المآرب الشخصية أو المتاجرة بمصالح الناس، والبيئة حتماً ستجد “يوسفها” وستجذبه إليها.

حميدة فروتن

جمعية البحرين النسائي ة-للتنمية الإنسانية Hameeda_frutan@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *