الاختيار.. الهبة المُعارة

الاختيار.. الهبة المُعارة

أن نختار يعني أن نتنفس.. أن نحلّق.. أن نُحطّم سجن أرواحنا ولو في الأثير. أن نختار يعني أننا مازلنا ذوات حرّة.. لم يسجنها الاعتياد والبرمجة . أن نختار يعني أننا مازلنا موجودين.. ولم نُقبَر بعد في وجود غيرنا وخيارات سوانا. أن نختار يعني أننا مازلنا مرابضين على آخر معاقل حريتنا (الاختيار).. ولو في مساحات صغيرة وضئيلة. أن نختار يعني أننا سنستمر ولن نتوقف حتى نظفر بخيارنا الأعظم في حياة نتوقها ونجاح نهفو إليه.

إن مكنة الاختيار في ذواتنا وحجم ما نضخ فيها من إرادة ووعيّ، هو ما يحدد نوعية الحياة التي نحياها ومقدار السعادة التي نعيشها. فيوم أن نسلّم هذه الهبة لسوانا من المؤثرات والأشخاص والظروف والضغوط…، فإنّا نسلّم حقيقةً أرواحنا لغيرنا تتصرف فيها، ومستقبلنا لسوانا يعبث فيه. فقبضنا على زمام المبادرة في تشكيل خيارات حياتنا بمسئولية ووعيّ، هو حقنا الإنساني الذي يجب أن لا نتخلى عنه تحت أي ظرف من الظروف، بعيدًا عن هيمنة المؤثرات المختلفة، سواءً كانت محبطات معرقلة أو أعراف صدئة أو مغريات مادية أو عادات بالية أو شهوات حسية…، والتي تريد كلها تشكيل هويتنا الشخصية والعقلية والوجدانية حسب ما تمليه وتؤطّره وتفرضه.

هبة الاختيار تكمن روعتها هنا، حيث ضبطها مستوى تفاعلنا مع المحيط في حدود بنّاءة ومثمرة، بحيث لا نذوب في المؤثرات حولنا ولا تتلاشى إرادتنا في خضمّها، وفي ذات الوقت نتفاعل مع ما حولنا باقتدار وإيجابية، ومثال ذلك حين نكون عنصر تغيير ونهضة في محيطنا وفي اتجاه موازٍ يكون محيطنا هو الداعم لنا نحو فلاحنا وصلاحنا وليس نحو انحدارنا أو جمودنا أو نحو ضياع هويتنا الإنسانية. وحينما نحمل جميعًا هذا الوعي كأفراد تشرّبوا أهمية صناعة خيارات حياتهم، منطلقين من ثوابت إنسانية وقيمية وأخلاقية مشتركة، فإننا حتمًا سنجعل من محيطنا ومجتمعنا وعالمنا مكانًا أفضل وأجمل.

لطالما كانت هذه الهبة هي السرّ وراء الكثير من النجاحات والإنجازات للعديد من العظماء وأصحاب البصمة النيّرة في مسيرتنا البشرية. الذين منهم من اختار النجاح رغم كل أصوات الفشل المحيطة، ومن اختار أن يبتسم ليحيا وُيحيي غيره رغم طوفان الدموع المتحلّقة، ومن اختار منهم أن ينظر للغد والمستقبل ليبني ويعمّر رغم استيطان الحشود حوله الماضي والبقاء على أطلاله يهدمون ويفتتون. إن صناعة هؤلاء لخياراتهم هي ما حرّر ذواتهم من تعاستها ومنحهم نجاحهم وتميزهم، وكذلك أعطى محيطهم قيمة ومعنى وعنصر نهضة وتغيير لوجودهم فيه.

إننا اليوم صنيعة خيارات اُتخذت بالأمس، وحياتنا في الحاضر هي نتاج قرارات خطّت في الماضي. فهلّا بحثنا عن صانع خياراتنا وخاطّ قراراتنا، هل نحن أم المؤثرات؟! هل ذاتنا أم محيطنا؟! هل ضميرنا أم أجندة سوانا فينا؟!. هي أسئلة في إجاباتها سنكتشف كم نملك حقيقةً من الحرية التي طالما ادعينا كمالها فينا، وسندرك حتمًا لمَ نحن تعساء وغير راضين في أعماقنا، وسنعي أخيرًا أننا مازلنا لم نحيا حياتنا ولم نخض تجربتنا، ولم نحظَ بفرصنا لنعبّر عن ذواتنا الحقيقية الصالحة والجميلة والنقية والمتزنة، لأننا ببساطة انشغلنا جلّ أعمارنا في تنفيذ خيارات هي ليست لنا.

خياراتنا هي أقدارنا، فكيف يسلّم أحد قدره لسواه!!.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

bahws@batelco.com.bh

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *