الصفا والمروة وحكاية الإرادة “هاجر”

الصفا والمروة وحكاية الإرادة “هاجر”

لم يذكر لنا التاريخ كم كانت تتألم! وحيدة وخائفة، عطشى وتعِبة، يمزّق قلبها بكاء وليدها. ولم يخبرنا أحد عن مقدار وحشتها! وكم بكت ونادت و ناجت!. إذ ليس من يعلم على وجه الدّقة تفاصيل ما عانته امرأة وحيدة مع طفلها في صحراءٍ قاحلة، هذه التي خطّت بسعيها منسكاً في الدين. وسعى على وقع خطاها ملايين المسلمين، لتبقى رمزاً خالداً بين الصفا والمروة يحاكيه كل مؤمن على وجه الأرض.

أراد الله جلّ وعلا أن يجعل من سعي زوجة ابراهيم “ع” هاجر بين جبليّ الصفا والمروة، عبادة ومنسكًا واجبًا على كلّ حاج ومعتمر لبيت الله تعالى، كما أراد سبحانه أن يجعل رمز هذا النُسك امرأة أدّت ما عليها في أشدّ الظروف قسوة، وحافظت وحيدة على وليدها الأمانة.

لقد سعت هاجر في إرادة أسطورية في هجير الصحراء باحثةً عن الماء، عيناً تنشد النبع وعيناً ترقب الطفل، لم تستسلم ولم تركن للعجز وتقول هذا قدري، لم تتعذر بكونها قد حاولت ولم تجد الماء، تمسكت بأمل الحياة وبقيت تسعى، رغم أن الواقع يصدمها مرةً تلو أخرى معلناً أنها هالكة هي وطفلها ظمأً. لكنها واصلت ولا يعلم سوى الله كم ستبقى تسعى لو لم تجد الماء.

هاجر “ع” حياة عظيمة اُشتقت من أصعب الأزمان، لتعاد نسخة ذكراها كل عام، لتدلل للإنسان أن لا كمال للدين والدنيا دون السعي والإصرار، ودون الأمل والثقة باللحظة القادمة.  إنها قصة امرأة يؤكد لنا الخلاّق أنَّها يجب أن تبقى خالدة في وعي الإنسان إلى يوم الدين، لتبقى مدرسة تعلّم الأجيال أن لا خلاص أو بقاء من شوطٍ واحد أو محاولة يتيمة أو نجاح لا يتكرر، بل هبة الحياة – روحاً وعقلاً ونفساً، ووطناً وأمةً وكوكباً-  نغنمها من كدّنا أشواطًا عديدة، ومن تعبنا أشواطًا متكررة، ومن إرادتنا أشواطًا لا تنتهي. وأيَ حياةٍ عظيمة غنمتها هاجر؟ إنها الخلود الباقي عند البيت الحرام.

ورسالة أخرى تنساب عبر الزمان، ودرسٌ بالغ التأثير يطلب من يستوعبه، أن لا هاجر دون هجير تتحمّله، ولا امرأة متألقة دون ابتلاءات تجتازها وتخرج منها قوية منتصرة، ولا حياة مزدهرة متنامية دون سعي متواصل، ولا نبعًا يتفجّر دون كدٍ مُضني وحركة دءوبة ولظى قاسي.

امرأة واحدة لو أدركنا أبعاد ما قامت به عند البيت المحرم، واستلهمنا من فيض تجربتها التي لا تنضب، لكفتنا نحن البشر نماءً ونجاحاً وازدهارًا. إنها أسئلة شتى لكل زمان ومكان وحال وظرف، تحت عنوان أوحد: متى يتفجّر النبع؟، وقد أجابت عليها هاجر قبل بضعة آلاف من السنين: أن تفجّر نبع كل شيء مرهون بالعمل واستمرار المحاولة وعدم اليأس، والارتواء والرضا مشروط بالصبر والصلابة واجتياز المحن.

إن هاجر “ع” لم تتصور أبداً أن تكون عاقبة إخلاصها وما قامت به، هو أن تكون جزءًا كبيرًا من هذه الشعيرة والنسك العالمي الممتد “الحج”. فقد أخلصت في لحظتها وعملت باقتدار فجازاها الله مجداً خلّدها أبد الدهر، وبهذا نتعلم أن الإخلاص والصبر وبذل الجهد هو ما يصنع من كل عمل منجزًا عظيمًا، ونحن لا نعلم ما تخبئ لنا الرحمة الربانية جزاءً لأفعالنا.

وأخيراً نقول إن من عند هاجر ابتدأت ملحمة الحج الإبراهيمي العظيم. ولكن، تبقى ملاحم أخرى في الزمان الممتد تطلب هاجر أخرى وأخرى، فمن يا ترى تكون واحدة من هؤلاء!.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

naeimaar@yahoo.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *