الفرار من الشرنقة

الفرار من الشرنقة

أن تسترد المرأة خيارها في قيمها، وتُحرّر إرادتها في تشكيل مفاهيمها، وتطلق العنان لذاتها ترسم معانيها. ذلك هو حقها الثابت والأصيل، والذي انساب منها من غير وجه حق ليستقر في يد المجتمع. وتغدو حياة القيم بعدها عند المرأة رهينة بتشكيلة معينة من المفاهيم، تكاد تكون مغلقة عن دخول غيرها، وكذلك حتى عن فهم آخر لهذه القيم يختلف عن الفهم الشائع لها عند الآخرين.

مجتمعاتنا للأسف بطريقة ما وضعت تركيبة معينة من القيم، من أمثال الصبر والحب والتضحية والحنان وأشباهها من هذه المعاني، وافترضتها تشكيلة تختص بالمرأة. وكذلك فرضت وبشكل معنوي أكثر من مادي صورة عليها في تفسيرها وتطبيقها لهذه التشكيلة، والتي تكاد تخلو من الكثير من المفاهيم الضرورية التي تحتاجها المرأة اليوم في واقعها وفي مواجهة تحدياتها المختلفة، كقيم من أمثال المعرفة وإرادة التغيير والوعي والتمسك بالحق والدراية وغيرها العديد من هذه القيم.

وهذا أنتج عملية خلط كبرى في المفاهيم، لم تنتج حلولا لقضايا المرأة بل زادتها تعقيدًا، فتشكيلة القيم التي افترضها المجتمع بالنسبة للمرأة ورغم أهمية وعظمة القيم التي فيها، فهي ليست لكل ظرف ولكل حال وتطبيقها لا يصلح كعلاج لكل داء وهي ليست ناجعة لكل تحدٍّ، بل لها مجالاتها وقنواتها كما للقيم الأخرى المغفول عنها مجالاتها وقنواتها أيضًا.

إن انتقاء القيمة المناسبة للظرف والحال الواقع للمرأة، واختيار المفهوم الأصلح للتحدي الموجود في حياتها، هو أمر عظيم في أهميته بالنسبة لكل إمرأة، وذلك في سعيها للظفر بحياة أفضل ونيل واقع أكثر إنصافًا، وللحصول على حقها كاملاً وليس أقلّ. فقيمة الصبر على سبيل المثال ليست هي القيمة الأنسب لتتخذها إمرأة لتواجه معاناتها من جراء حياة بائسة وظالمة، لأنه عندها بلا شك لن يصبح الصبر دواء ولا عنصر نهوض بل عامل استسلام واستكانة، فهنا مكان وظرف تفعيل قيم التغيير والمنافحة في سبيل رفع الظلم والحيف وليس الصبر عليه –وهنا بالطبع الذي نرفضه هو الصبر عن التغيير والذي يقود للاستسلام وليس ذاك الصبر الذي يدرأ عمليات التغيير المطلوبة والصمود عليها- . وكذلك قيمة التضحية ليست هي القيمة المناسبة لتواجه بها المرأة حقّها المنتَهك، بل هنا مكان التمسك بالحق والمثابرة لنيله – وإن فُعّلت التضحية فهي تكون في سبيل التمسك بالحق وليس التضحية به-، وكذلك كل قيمة أخرى جميلة يُفرض على المرأة أن تعيشها في غير محلها وتفعّلها في غير موسمها وتعليها في مواقع وظروف كان يجب أن تعلي غيرها مكانها.

هذه دعوة لأن لا تستسلم المرأة لأي تشكيلة من القيم تفرض عليها، ولو كانت هذه الأخيرة نقية وعظيمة، وتنبري هي لأن تمسك بزمام تشكيل قيمها بذاتها دون ضغوط مجتمعية أو عرفية، وتختار الأنسب لكل ظرف على حدة، والأصلح لكل تحدٍ وفق ملابساته ولكل واقع على ضوء حيثياته.

كشرنقة الحرير لدودة القزّ حين تخنقها في نهاية المطاف، تصبح القيم العظيمة خانقة لصاحبها إن أحاطته وكبّلته وأقعدته دون التغيير، فوضع أي قيمة في غير مكانها يقودها لأن تنحرف عن مسارها، وتصبح شيئا آخر بخلاف هويتها الخيّرة، وبالتالي لا تأخذ صاحبها نحو الواقع الأفضل الذي يرتجيه والحياة المنشودة التي يستحقها، بل لكي يختنق كدودة القزّ، ولكن موته هنا يكون… بحرير القيم.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية