حتى الصحراء بها أغصان

ليس هناك أعجب من نبتة يانعة في صحراء قاحلة، شامخة – رغم الجفاف- بإرادة حياتها وتحدي بقائها، معلنة عبر غصنها النادي وأوراقها المخضرّة، أنها منتصرة وباقية رغم صعوبة العيش وقسوة الظروف. وكذلك البشر، فحين تحوي ذات بذور عظمتها، وتنبت فيها جاعلةً منها غرسًا إنسانيًا فريدًا، في الوقت الذي يكون فيه محيطها على نقيضها، يهوي في مستنقعات العبودية والجهالة، فهذه الشخصية حتمًا تكون عظيمة وملهمة.

ذلك ما تميزت به آسيا زوجة فرعون، بوصفها واحدة من سيدات نساء العالمين، حيث كان لكلٍ منهن نموذج أنقى تحاكيه ونبراس أكمل تسير على إثره، حيث كان رسول الله (ص) مع خديجة وفاطمة، وهدي الأنبياء من سلالة عمران كان نورًا في طريق مريم. بينما آسيا كانت في محيطها وظروفها مثل الغصن الأخضر في الأرض القاحلة، دون أدنى مقومات الحياة الخارجية  بل على النقيض منها، حيث الزوج المجنون بعظمتة الموهومة، والملأ العضيد لطغيانه وظلمه، والمحيط الواهن الذي اعتاد العبودية. إن آسيا اخضرّت ونمت واتجهت نحو الشمس في وسط هذا الواقع الآسن ومن عمق تلك الظروف الشائكة والصعبة، فقد حكّمت إرادتها وسادت نفسها فأصبحت مدرسة لقيم الثبات وصرحًا لتحدي النمطية العاجزة.

إن الخيار الناصع الذي انتهجته آسيا في مواجهة واقعها، والإخضرار والخصوبة التي تميزت بها روحها ونفسها، هو ذاته الذي شكّل استجاباتها الأخرى، دون أن تدفعها حياة الغنى والترف التي عاشتها في قصر فرعون، إلى الركون للدعة والحياة الزائفة بل على العكس من ذلك، استخدمت مكانتها ومكنتها تلك كأداة تساعد بها المحرومين والمعوزين، بل تُحوّل ما فقدته وما حرمت منه إلى خدمة مجتمعية تؤديها وعطاء خصب تبذله، ينمّي الآخرين ويلبّي احتياجاتهم ويرفع همومهم ومخاوفهم. فحين ذاقت مرارة الحرمان في نفسها عندما لم يكن لها أولاد، توجهت روحها لعمل كان نتاجه أن قلّصت مساحة البؤس والحرمان عند الآخرين، إذ تبنت طفلاً حُرم حق الحياة وحمته دون الموت، ومنحت الإطمئنان بالتالي لأمه الفَرِقة التي حُرمت السكينة عليه – ربما يُحفظ لها ذلك كبراءة اكتشاف إذ محتمل أن تكون أول من حول حرمانه إلى خدمة مجتمعية-.

وقد كان لفعل التبني في ذاته مداليل إضافية. نرى من خلالها نفسية غير اعتيادية، فأن يهتم ويرعى إنسان ما هو جزء منه ومنسوب إليه هو أمر طبيعي واعتيادي وهو وجه لحبه لذاته، أمّا حين يرعى ويبذل مهجته في سبيل ما هو غير منسوب إليه، لهو دليل بيّن على تساميه على نوازع الذات ومقدار عظمته الإنسانية، إذ لم يكن طفل اليمّ لآسيا فلّذتها ولا كان بقية من أهلها، ولن يقال يومًا أنه ابنها إذ كان معروفًا أنه لغيرها، لكنها رغم ذلك أحبته ورعته وأنشأته في كنفها أيّما تنشئة، فأصبح ذاك المحمول عبر النهر في غده نبيًا عظيمًا كليمًا من أولي العزم. وكذلك كانت دومًا وفي كل مسيرة حياتها قوة جاذبة لأصفى الخيارات، ومنبعًا لأنقى الإستجابات البعيدة عن الأنانية والتمحور حول الذات.

إن الله سبحانه حين جعل الجبال العظيمة رواسي تحفظ بيداءنا، جعل كذلك في الزمان الممتد أنفسًا عظيمة “مثل آسيا”، تحفظ كياننا الإنساني ونقاءنا الروحي، وتعلمنا دومًا أن هناك خيار وقدرة إنسانية لتحويل كل حرمان وفقدان إلى منجز متميز وعطاء ثري، أرادها أن تكون لنا نحن البشر كرواسي في كل زمان ومكان – حين نتمثّلها- ، وأن تكون لنا كحاجز الفوز في نهاية المضمار، من يبلغ صفاتها ويماثل سماتها يبلغ الغاية من خلقه ويحقق الهدف من وجوده، كإنسان أنيطت به مهمة تعمير الأرض وتفعيل القيم، لديه استجابة واحدة وجواب لا يتغيّر على كل قضاياه وتحدياته وابتلاءاته: وهو الثبات على القيم، ومواجهة حرمان الذات بالعطاء للآخرين، والبذل المخلص والمنزّه للبشرية دون أغراض ومصالح شخصية.

ذلك ما تعلمنا إياه آسيا، فمهما كانت الظروف والتحديات التي نواجهها، ومهما كان مستوى الحرمان الذي نعانيه، ومهما تجرّعنا مرارت الغربة والوحدة في عالم ملؤه الجهل والظلم، فدورنا فيه أكبر من معاناتنا، وهو قدرنا ومصيرنا، فعالمنا ينتظر دومًا أشخاصًا تتبعوا خطى آسيا – أو مَن مثلها- وساروا على إثرها، واستلهموا قبساتها ليهزموا بها الجهل وينشروا الوعي ويعلّموا الإنسان كيف يمارس إنسانيته.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

naeimaar@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *