رؤى تجديدية تطرحها البحرين النسائية في أولى حلقاتها النقاشية

 

افتتحت جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية أولى الحلقات النقاشية ضمن مشروع ( المرأة.. نظرة تجديدية) تحت شعار ( مناهضة العنف ضد المرأة )، وذلك في 23 مايو 2009 م بحضور عدد كبيرمن المهتمين من الجمعيات النسائية والجهات القانونية والحقوقية والأكاديمية ورجال الدين من المذهبين، إضافة إلى بعض عضوات مجلس الشورى.

لفتت د. وجيهة البحارنة في كلمتها الافتتاحية قائلةً: “كان لزاماً تسليط الضوء على قضايا المرأة والأسرة لحلّ الإشكالات الفقهية التي أدّت إلى هذا الفهم الخاطئ لمكانة المرأة وحريتها وأهليتها، وكفاءتها لقيامها بأدوارها الإنسانية المناطة بها..دون أن يعيقها موروث خاطئ أو رأي فقهي مستبد..والتوصّل إلى فهم تجديدي مستنير لتلك القضايا يعيد للمرأة جميع حقوقها ليعاد للمجتمع الإنساني توازنه الطبيعي ، وما هذه الحلقة النقاشية التي نحن بصددها إلا أولى الخطوات في مشروع المرأة :نظرة تجديدية، الذي نأمل من خلاله الخروج بحصيلة ثقافية، فقهية، وقانونية تعمل على حلحلة العديد من الملفات العالقة في قضايا المرأة على وجه الخصوص والأسرة بشكلٍ عام “.

استعرضت البحرين النسائية في حفل افتتاح الحلقات النقاشية فيلم استطلاعي يعكس الثقافة السائدة حول المرأة ودورها في المجتمع ، ودور الموروث الثقافي والعقائدي في تشكيل النظرة النمطية تجاه المرأة، كشفت نتائج الفيلم وجهة نظر المجتمع تجاه بعض القضايا الشائكة حول المرأة كقضايا الضرب والقوامة ومسألة الطاعة الزوجية.

وفي الجلسة الأولى المتعلقة بمعنى القوامة والنشوز وضرب المرأة ، أوضح رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي د.عبد الحميد أبو سليمان أن الأسرة الإنسانية، هي قاعدة تشكل أساس بنيانها وتحدد وجهة مسيرتها الأم قاعدة الأسرة التي ينبع من حياتها ويلتف حولها ويقف على أكتافها ويتناول من يدها كل أعضاء الأسرة وروح الحياة ومادتها، مضيفا أنه إذا ضيعت الأمومة بالذل والمهانة او بالخلاعة والمجون ضاع معنى الحياة ومذاق طعمها وراحة دفئها.

وقال أبو سليمان في ورقته، التي جاءت بعنوان ضرب المرأة وسيلة لحل الخلافات الزوجية، كنت أرى في ظروف الأمة والعالم الهجمة الثقافية والحضارية مع تردى أحوال الأمة وحقوق الإنسان في الإسلام من حيرة بشأن قضية ضرب المرأة كحق للزوج ووسيلة من وسائل وضع حد لحالة الخلاف بين الزوجين ونشوز المرأة واستعصائها ونفورها من زوجها، ولا يصعب إدراك السبب لتلك الحيرة.

وتطرق إلى النص القرآني الذي يتعرض لموضوع الضرب، في الآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا، موضحا انه لابد من وضع هذه الآية في إطارها العام من نظام الأسرة حتى يمكننا حسن فهم دلالتها.

وقال القصاب خلال مشاركته بورقة عمل بعنوان ( النص القرآني ، كعصا ضد المرأة ) في الجلسة الأولى بأنه لو تمكّنا أن نقرأ القرآن كما هو في سياقه النصّيّ، لنزّهناه أن يكون داعيا لظلم أو فساد، والله لا يحبّ الفساد ولا الظالمين، لافتا إلى أنه ما لم نتيقّن أنّ للقرآن نظامه الخاصّ فلن نُفلح معه أبداً، لأنّه صندوق منيع عزيز ومفتاحه معه وفيه، لا العصريّة تفتحه ولا الجمود، وفق ما قال.

وتابع المشكلة فيمن وظّفه، فالذرّة نفسها ليست بمشكلة، نحن قد نصنعها طاقة وقد نفتك بملايين بها، بهذه الآية قد نفتك بملايين النساء ونضربهنّ ونتسلّط عليهنّ، وقد نكتشف العكس، القرآن نفسه هدى لأناس وعمىً على آخرين، لا لأنّه يحتمل التفسيريْن والوجهتيْن، فليس بكتاب هدى الذي يفعل هذا، بل لأنّا صنعنا أنظمة ونظّارات نقرأ بها القرآن لنُلوّنه بما نشتهي.

وأوصى القصاب تقديم القرآن على فقه الرجال، لشطب القوانين والنصوص التي تنقص المرأة وتبخسها حقّها المُكافئ للرجل في الكرامة والتمكّن من المصادر والفرص، في الحقول التربوية والقانونية والدينية والحياتية وتعديل بنود ومفاهيم الأحوال الشخصية، التي تُعرّف النشوز خطأ ثُمّ تُشرِّع للرجل الضرب عليه وتُوجب القوامة وتُكرِّسها بمعناها السلطوي، وتستخدم مصطلح الطاعة في العقود الزوجية، وإنشاءها بصيغة عقود تمليك المرأة للرجل ما يُبقي المرأة قاصرة أبدا تحت أهلها ثمّ زوجها.

ومضى القصاب قائلا قضيّة المرأة وُظّفت بعض النصوص لصالحها وضدّها، وكانت الصدامات بين مجددين وجامدين، تُناقش حقّ المرأة في ممارسة دورها الإنساني، من كونها نصفًا آخر للمجتمع لا كسراً من كسوره ولا درجة ثانية، راشداً لا قاصراً، تشمل هذه الإشكالية أموراً مثل، حقّ الولاية، الانتخاب، العمل، العصمة، الإرث، الوصاية على الأبناء، إلى شرعيّة الإجهاض وختان الأنثى، مسائل مازالت محتدمة التعاطي، ولم تُحسَم بعد، مع أنّ القرآن حسمها فعلاً.

في الجلسة الثانية من برنامج الحلقة النقاشية المتعلق بمسألة الطاعة الزوجية وقضية بيت الطاعة لفتت لفتت عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو المجلس التنفيذي للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بالسعودية د. سهيلة زين العابدين في ورقتها إلى معاناة المرأة المسلمة عبر قرون عديدة إثر التراجع الحضاري الذي انتكست به الأمة الإسلامية، وانتكست معه المرأة في المجتمعات الإسلامية خصوصا.

وقالت نحن في أمس الحاجة إلى تجديد الخطاب الديني للمرأة، والنظر إليها، والتعامل معها طبقاً لأحكام الإسلام وتشريعاته الحقيقية، وليس طبقاً لتفسيرات ذكورية تحكَّمت فيها أهواء ونظرة الرجل الاستعلائية التي تحرص على دونية المرأة وتبعيتها وخضوعها له، وفق ما قالت.

واعتبرت زين العابدين أن الرجل حريص على إقصاء المرأة عن تولي أي منصب ديني، إفتاء، قضاء، مأذون لئلاَّ توضح للناس أصول التشريعات وحقائقها، بل نجده يُهاجم أي امرأة تسعى إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بحقوق المرأة وواجباتها، وتُتهم بأنَّها علمانية وليبرالية لتهاجم من قبل العامة، ولا يُلتفت إلى ما تنبِّه إليه ولإثنائها عن المطالبة بحقوق المرأة في الإسلام.

وتابعت رأينا كيف كانت معارضة بعض علماء الدين لتولي المرأة منصب القضاء، والإفتاء، ومنهم من قصر حق الفتوى للمرأة على النساء فقط، بل حتى حق المرأة في الدعوة إلى دين الله اقتصر على النساء فقط، كما رأينا كم كانت المعارضة شديدة على تولية المرأة مهنة مأذونة.

وقالت أعلن الإسلام أنّ المرأة إنسانة مساوية للرجل في الإنسانية في آيات كثيرة فهي محملة بأمانة الاستخلاف مثل الرجل تماماً، لها وعليها مثل ما له وعليه، موضحة أن مبدأ تكليف الذكر والأنثى على السواء متساوٍ بكل ما يتصل بشؤون الدنيا والدين.

واعتبرت زين العابدين بيت الطاعة ليس من الإسلام، فهو يتناقض مع جميع المعايير السابقة، ومأخوذ من المادة 214 من القانون الفرنسي الذي ينص على إلزام الزوجة بقوة الشرطة العيش في بيت الزوجية الذي يحدده الزوج طبَّقته بعض البلاد العربية التي أخذت بالقانون الفرنسي، ونسبه الكثير إلى الإسلام، والإسلام بريء منه، ولا يجبر المرأة أن تعيش مع زوج تكرهه أو تكره العيش معه.

وتابعت أصبحت الزوجة في زمننا هذا تشارك الزوج في الإنفاق على البيت، بل هناك زوجات يتكفلن بكامل الإنفاق ومع ذلك يُمارس الزوج كامل قوامته على الزوجة بالمفهوم الخاطئ للقوامة إذ يمارس كل صنوف العنف ضدها، ويعطي لنفسه حق ضربها بناءً على مفهوم خاطئ لآية واضربوهن، مضيفة أن هذه المفاهيم تعزّز المفهوم الخاطئ لاعتماد علماء ومفسرين وفقهاء أحاديث ضعيفة وموضوعة تقدس الزوج، وتلزم المرأة بطاعته.

وختمت زين العابدين ورقتها بإقتراح تبني جمعية البحرين النسائية بالتضامن مع المجالس والاتحادات والمنظمات والجمعيات النسائية في العالميْن العربي والإسلامي مشروع يتلخص في إعادة تحقيق كتب التفسير والحديث من نسخها الأساسية، وتجديد الخطاب الديني عن المرأة مع تصحيح المفاهيم الخاطئة لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالمرأة، وبالأولاد، وما ترتب عليها من أحكام فقهية خاطئة.