صنعت مني قارئة

فتحتُ عيناي منذ صغر سني في السنواتِ الأولى من عمري وقبل تعلم القراءة والكتابة على قصصٍ كــ “ليلى والذئب” و”سندريلا”، “بياض الثلج” و”الأقزام السبعة”، التي كانت تشتريها لي أمي وهي عبارة عن كتب ولكن قماشية وشبه كارتونية الملمس، بالإضافة إلى “شنكل ومنكل” وقصصاً عن “السيدة فاطمة الزهراء” علاقتها بوالدها النبي محمد ومدى تأثرها لفراقه، وقصص المكافحين والمقاومين والمنادين بالحق والمحاربين للظلم، وحتى قصصاً عن أحداثٍ كانت تدور في الجبهات، جميعها كانت خلاصتها القيام والتمرّد على الظلم والاستبداد سواء على صعيد المنزل أو المجتمع أو الوطن والإقليم، كانت تقصها لي أمي ويقصها أبي أو إحدى جداتي، أو أحد أبناء عماتي.

مازلتُ أذكر أكثر شيء شدني في تلك القصص منذ الأعوام الأولى هي مظاهر الظلم بأقصوصة بياض الثلج التي ظُلمت من زوجة أباها وكيف عاشت لفترة زمنية مع الأقزام السبعة المكافحين.. نعم مازلتُ أذكر سندريلا ودمعاتها ووجها البريء الجميل التي استعُبدت من قبل زوجة أباها  فقامت بدور الخادمة بعد أن كانت عزيزة قومها.

كنت أدخل لنسيج القصة أحياناً أثناء سردها بل يصل ببعض الأوقات أنها تصبح جزءاً من خيالاتي وأحلامي، فأمسح الدمعات المتلألئة لبطل القصة، وأصارع قوى الشر معه فأناصره ضد الظلم والباطل، فأشاركهم كل شيء في منامي، وأستيقظ متأثرةٌ بتلك القصص والألوان في الكتاب نفسه.

اعتدتُ من صغري أرى أمي تقرأ كلُ صباحٍ ومساء، وفي أيام الإجازة الأسبوعية التي كانت خميساً وجمعة، حيثُ غداءنا كان جاهزاً منذ التاسعة، وتستمر أمي في توظيب وتنظيف أنحاء المنزل إلى العاشرة، وبعدها تتفرغ للقراءة بأنواعها فتبدأ بالجريدة وتنتهي بكتاباً ما إسلامياً كان أم صحياً أو بأي مجالاً آخر.

فعندما كنتُ أزورها مع والدي في المشفى بفترة تعبها في أشهر حملها و حتى بعد ولادتها بأخوتي، كان منظر الأرفف بغرفتها عند دخولنا عليها جميلاً إذ نرى الكتب مصففة ومنظمة، بدلاً من وجود الحلويات والزهور.

هنا تلقيتُ الرسالة، وبدأتُ أفهم بأن تلك الكتب والكلمات بباطنها تعني الكثير لأمي، ولأني كنت أحب كل ما هو موصولاً بأمي ورائحتها الزكية، تعلمتُ منها أن الكتابُ شيئاٌ قيماً ومهماً وجزءاً لا يتجزأ من حياتي اليومية، فحملتُ القلم والدفتر، وهي بدورها كانت تشجعني كثيراً على الكتابة والإنتاج الأدبي.

كانت تستوقفني أبواب تلك المكتبة الصغيرة التي كان الغبار منتشراً على كتبها ومجتاحاً أرففها، وصاحبها الكبير يرمقني بنظرةٍ غريبة، ماذا تفعل هذه الفتاة بمكتبةٍ كهذه؟ فصغر سني لم يكن يناسبني تلك الكتب التي كنت أشتريها، كانت الورقة والقلم والكتاب أهم ما بالوجود، تفاجئت أمي أنني أكتب المقالات والشعر والخواطر والأقاصيص، واقتنيت بعض الكتب والقصص والروايات اشتريها من مصروفي الذي كان لا يتجاوز المائتين فلساً أجمع نصفهُ ولما يصل لمبلغٍ ما، أشتري به كتباً علمية وقليلاً منها أدبية. هكذا كانت أمي قارئة فصنعت مني ذلك، ومازال صوتها مقطوعةٍ موسيقية بأذني: اكتبِ.. اكتبِ.. وفقك الله، وجعل لكِ في كل خطوة سلام”.

كان لقراءة الكتاب وللأقصوصة دورٌ كبير في حياتي كما كان لأمي، بالإضافة لحبي للكتابة والرسم باستمرار هكذا بدأت صناعتي لغوياً وكتابياً بالرغم من ركاكة اللغة في بداياتها، فكونت مني انسانة تقرأ الكون من حولها وتكتب دون حدود. وهذا علمني أن الطفل يتعلم من الأم أن القراءة والكتابة ذات أهمية عظمى في حياة النشء والإنسانية.

فنحنُ إن كنا لا نقرأ، كيف لنا أن نصنعُ أمة تقرأ لنعلم النشء أهمية ذلك؟ وليعلم أن الكتاب والقلم والورقة على سلم الأولويات في حياة الآباء، معيرين الأهمية البالغة في استخدام الخيال الواسع وقراءة القصص منذ السنوات الأولى، وإهداء الطفل الكتب والقصص بدلاً عن بعض الألعاب التي بعضها قد لا تساهم في تطوير مهارات الطفل.

وكما قيل العلم في الصغر كالنقش على الحجر فمن واجبنا الاتجاه لأدب الأطفال من منظور متجدد يتماشى مع الألفية الجديدة لتشجيع صناعته في دولنا العربية والإسلامية وسرد قصص الأولين وما كانوا يحملون من مبادئ وقيم من قلب القرآن الكريم لما سيكون له من دور في تربية النشء، بالإضافة لدعوة وزارة التربية لإعداد مسابقات للقراءة، وكتابة القصص القصيرة والتحفيز عليها في حصصاً تكون من ضمن منهج اللغة العربية بدءا من المستوى الأول مروراً بالمراحل المتوسطة وإنتهاءاً بالمستوى الثانوي، ذلك لأجل تربية نشأ مثقف وكاتب ينطلق من الأسرة وتحتضنه المدرسة وهكذا سنصنع من أبناءنا قارئين وكتاّب.

أحببت أن أهدي هذا المقال لأمي في يومها الخامس والثلاثين من عمري، لأنها ساهمت في صناعة فكري وشخصيتي، فإليكِ يا أمي أهدي كلماتي.

رملة جواد

ramla.jawad@hotmail.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *