عيد العمال الشركاء .. لا الأجراء

عيد العمال الشركاء .. لا الأجراء

ضللنا سعينا وتهنا في الطريق حين اعتبرنا عمّالنا أجراء لا شركاء، لنكمل بذلك خطيئة إنسان الثورة الصناعية الذي أراد الربح الفاحش والسريع، فأحلّ الآلة واهتم بها بشكلٍ كبير على حساب العنصر البشري، ليغدو العامل مجرد أجير قد يُستغنى عنه عند أدنى توفّر لآلة تقوم مكانه، ولو كانت فائدتها الوحيدة أنها لا تطالب بحقوقها!. ونحن هنا لا نعترض على دخول الآلة والمكنة في حراك التنمية، بل اعتراضنا هو على تهميش العامل في هذا الحراك لمّا دخلت هذه الأخيرة في المعادلة، وكم صنع هذا الواقع فرقًا شاسعا في عطاء العمال ومستوى انتاجيتهم، إذ ليس يخفى على أحد كم هو البون كبير حينما يعمل الفرد انبثاقًا من كونه شريكًا وأساسًا وبين أن يعمل انطلاقًا من كونه لا يتعدى الأجير.

والشراكة المقصودة هنا لا نعني بها أن تكون في المال أو الملكية – وإن كان هذا قابل للمناقشة في بعض النواحي -، بل هي أن ننظر للعامل بوصفه هدف وغاية وجزء من المجتمع البشري المراد تطويره ورفاهيته ونموّه، بعيدًا هذا عن جشع أصحاب رؤوس الأموال وربابنة الأعمال وملّاك المصانع، وأن لا يكون مجرد كادح مستغَل حتى النخاع بحيث يُلقى به حين يستنفذ كل ما يستطيع تقديمه. .

في هذ العيد ننطلق إلى عمّالنا من منصة العمل بأبعاده المختلفة، بوصفه هو الحركة التصاعدية للنمو والاتجاه التنموي للقوى والمسار الإنفعالي للعلوم، وكذلك بوصفه أيضًا هو الحركة الاستثمارية للطاقات المخبوءة والمواهب. وكون العامل هو المفعّل – أي بالعمل – لتلك الحركات والقائم بمهمة بعث الحياة لتلك الأبعاد، فالنتيجة الطبيعة هي أن يكون هذا العامل متسنّمًا بجدارة هذا الموقع، ويضاهي بمهاراته وطاقاته حجم وأهمية العمل والدور الذي يقوم به. بحيث ينمو بشكل متصاعد في مواهبه ومعارفه وشتى قواه وقدراته، كما يمضي بشكل متواصل في مسار تعليمي وتدريبي سواءً كان في تخصصه أو لهدف فتح آفاق جديدة من المعارف والمواهب أمامه وفي طريقه، وسيان في هذا بين كونه عاملاً أو مشروع عامل يُعوّل عليه أن يحتل موقعه غدًا في الحراك التنموي في بلده.

ونحن اليوم إذ نحتفل بعيد العمال نبحث في أرض الواقع عن مضامين هذا العيد، وذلك بوصفه إحتفاءً واحتفالاً بالاكتفاء في هذه الشريحة وبها – إذ هو كذلك في معانيه الغير ظاهرة -، فهل حققنا في الواقع هذا الاكتفاء، وأصبح عمّالنا يسدون النقص بفاعلية في كل فراغ في مؤسساتنا التنموية المختلفة بحيث لا نحتاج إلى استيراد طاقات من الخارج؟، أمّ مازالت دولنا تضيّع فرص كثيرة لأن تكون في مصاف العالم المتقدم نتيجة فقر عامليها من حيث النوعية والتخصص والحرفية وحتى من ناحية الكمية؟. إنها أسئلة وإشكالات مشروعة نلقيها على قارعة درب كل محتفل بيوم العمال، علّنا نصل يومًا لاحتفال حقيقي بهذه المناسبة على ضوء تحقيق كل هذه المطالب.

كان عيد العمال فيما مضى ملتحفًا بعباءة السياسة والصراع الطبقي، فهل يا تُرى خرجت أخيرًا هذه المناسبة لتحتل موقعها في حرم إعلاء شأن العمل وعمّاله؟، وبالتالي إعلاء شأن كافة الحقوق المرتبطة بهذه الشريحة على الصعيد العملي والمهني، والاعتراف بفضلها كذلك في ركب تطورنا الاقتصادي والصناعي، وهل تمّ التوجه بها نحو تحسين ظروف معيشتها وأجورها؟، وكذلك هل وضعت أطر قانونية ملزمة لقطاعيّ الدولة العام والخاص حين التعامل مع هذه الفئة؟. ومن جانب آخر نتساءل: هل تحسّن وضع المرأة العاملة بوصفها الحلقة الأضعف في كل ما مرّ، أم مازالت تحتاج لمستويات جديدة من النضال وبشكلٍ أكبر مما لو كانت رجلاً!؟.

نبارك اليوم لكل عمّالنا في عيدهم ونقول لهم: لطالما كان أنبياء الله ورسله عمّالاً وحرفيين، فروح الله عيسى كان نجارًا، وإدريس كان خياطًا، ونوح كان بناءً، وموسى وخاتم الأنبياء محمد كانا رعاة أغنام. لكنهم انطلقوا لتحرير الإنسان من جهله وعلوه وظلمه، ونحن اليوم نتمنى من عمالنا كذلك أن يتسنّموا مواقعهم ويؤدوا دورهم الأصيل في عمليات التغيير والتطوير والتجديد في مجتمعاتهم، لتغدو بفضلهم هذه المجتمعات متدافعةً ناهضة نحو آفاق إزدهارها وتقدّمها.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

naeimaar@yahoo.com