في روحكِ قبسٌ من مريم

في روحكِ قبسٌ من مريم

المرأة العظيمة والقائدة، والمنتصرة عبر الزمان، المرأة الرؤية، المرأة التي تحمل روحاً حُرّة لا يأسرها مكان أو ظرف أو لحظة، المرأ ة العملاق في هويتها وقيّمها، وهي التي لا تُحَدّ في طاقاتها وقدراتها، وما تمثله في هذه الحياة من أبعاد عميقة وأصيله، وهي التي تكون في مقياس الإنسانية امرأة لا تموت، مستمرة وباقية، متنامية ومزدهرة. تلك المرأة ليست مجرد حلم داعب المخيلة أو أسطورة متخيلة، بل هي حقيقة ساطعة أشرقت في سماء تاريخنا الإنساني.

إنَّها مريم القديسة، التي تقدّست حين أثبتت قدرتها على صناعة التغيير، وتحدّت النظرة الدونية للمرأة في زمنها، فوقفت في المعبد إلى جنب الرجل، دون أن تبالي بالعواقب أو تكترث بحرمان المجتمع لها لكونها امرأة، كانت وحيدة حين جابهت طوفاناً من الازدراء والنبذ. وكذلك حين واجهت قومها متسلحة بعنفوان إرادتها وإيمانها، وقدرتها على إدارة تلك اللحظات الدقيقة والثقيلة والخطيرة، حين أتت قومها تحمل ذاك النبي المغيّب، تقطّعها ألسن كل من عجز عن إدراك سموها.

مريم العذراء صانعة منجزها إذ لم يكن هناك إنسان يشاركها ويرفع عنها الحِمل، وقد كانت الثائرة في قومها على كل جهل، والملهمة لكل امرأة عاصرتها بل كل إنسان عرفها، والمحطمة لذاك الفهم الذي يرى أن المرأة لا يمكنها قيادة التغيير، ولا تملك قدرة تقدّم الصفوف وحمل لواء التجديد في زمنها ومجتمعها.

مريم البتول التي انقطعت لغاياتها الإنسانية، إذ لم يُعرَف عنها إلاّ متصدقة أو ناطقة بالحكمة. ارتقى وعيها ونضج عقلها وبلغت إنسانيتها السموات، فحدثتها الملائكة وكانت بحديثهم أروع وأكمل.

كانت نموذجًا إنسانيًا بالغ التأثير، حملت على كاهلها قضية عظيمة، فكانت بحق قائدة عظيمة، استحقت بجدارة حملها مسيح الأمة عيسى بن مريم، والذي لم يُنادَ إلا مقروناً بها، فهذا النبي العظيم ابن هذه المرأة العظيمة.

مريم عليها السلام هي تحدي السماء لكل الأرض، وهي النموذج المحفوظ ذكره في الكتب السماوية وفي التراث الإنساني، ليبقى عبر الزمان ليحطم كل نظرة ناقصة أو مختزلة عن المرأة، وهي الرد المقنع والكافي لكل من يريد إقصاء امرأة أو تهميشها، بدعوى أنها غير قادرة وغير مؤهّلة ولا يمكنها تحمّل القضايا الجسيمة والكبيرة.

مريم عليها السلام قصتها وحياتها، رسالة موجهه لكل امرأة على وجه الأرض، رسالة مفادها أنكِ قادرة وقائدة، وعليك اكتشاف ذاتك والبحث عن سرك وإبداعك، إذ في روح كل امرأة قبسٌ من مريم، يرشدها إلى الطريق، ويوقظ في وجدانها حنينها العميق لمعرفة حقيقتها وإدراك غاية وجودها.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

naeimaar@yahoo.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *