لا إكراه في … التسامح

إنساب في دجى مكة خفية، غاب بعيدًا في تلال الصحارى، حين جحدوه حقه في الكلام، وتآمروا أن لا يجعلوا الشمس تشرق في قريش . واجتمعوا على قتله برماح الغدر، متحدين مع الشيطان في ضربةِ رجلٍ واحد، لكنَّ العليم بقدرته خيّب الطغيان، فحين رفعوا دثاره، رأوا الفدائي دون محمد قد نام محتسبًا بالله. هكذا هاجر حبيب الله المصطفى، حين ضاق أفق سادات مكة، فضيّقوا مساحات التعايش بينهم وبينه، ومنعوه عن تبليغ رسالات ربه. رحل إلى المدينة تاركًا روحه تتلظّى، لفراق مطواف الخليل, ليقيم دولة الحق، بعيدًا عن طبقية أبي سفيان وعلو أبي جهل وعنصرية أبي لهب.

وخسرت بذلك مكة قريش أمام يثرب المنيرة، لتكون ظافرةً بهجرة محمدٍ إليها، وجعله لها عاصمةً للإسلام ودولةً مدنية، وحاضرةً موحدة تميزت بين القبائل المتفرقة. وشرع هناك صلى الله عليه وآله وبعيدًا عن وطنه مكة، في ترسيخ ذات المبادئ التي مُنع من الدعوة إليها في وطنه، وتعامل مع الآخر المختلف بعكس ما تعومل به معه. فإضافةً إلى تعليمه مبادئ وأخلاق الإيمان لمسلمي المدينة، أسس المجتمع المدني القائم على الحقوق والحريات كانعكاس لتلك المبادئ.

وهذا الـتأسيس لخصته الوثيقة المرجع التي وقّعها رسول الله مع اليهود وباقي سكان المدينة المنورة والتي تُعرف ب “عهد المدينة”. هذه الوثيقة كانت تضمن الحقوق الدينية والمدنية للطوائف والأديان المختلفة الأخرى، وفي الوقت ذاته  تؤكد الواجبات الوطنية التي يشترك فيها الجميع، المسلمين وغير المسلمين وعلى أساس مفهوم المواطنة،  كما كانت تعزز المشتركات الوطنية بين الشركاء في الوطن بغض النظر عن أديانهم وطوائفهم.

إن هجرة رسول الله من وطنه مكة، تشير فيما تشير إليه إلى غياب مفهوم التسامح والتعايش بينه وبين قريش شركائه في المجتمع والأرض، بالرغم أنه ما فتأ يحاول ومنذ بداية دعوته إلى إيجاد مساحة توافق وتعايش بينه وبينهم، فقال “ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ “ ودعا بأن “ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ “، لكنهم منعوه التعبير عن عقيدته وقناعاته، ومنعوا الناس الاستماع إليه، ناهيك عن الإيمان بدعوته، كما أقصوه وحاربوه وتآمروا على قتله.

إن هجرة الرسول الكريم أسبابها وحيثياتها، هي رسالة تعايش وتسامح موجهة لكل أمم الأرض، من منطلق أن لا إكراه في دين أو عقيدة أو تفكير أو رأي، فالدين هو التسامح والعقيدة هي التعايش، والتفكير هو محاولة مستمرة لإيجاد مشترك وجامع لكل أمم الأرض، والرأي هو كلمة حب وسلام نطلقها في المساحات الفاصلة بين المختلفين. لا سيما مع غياب النظرة الصحيحة لهذه المفاهيم في عالمنا اليوم، واستحالتها جدران تفصلنا عن الآخر المخالف لنا، والتي أنتجت صراعات تتفجّر لأدنى خلاف ونزيف من الدم يهدر لأقل اختلاف.

ومن التوافقات المعبرة والجميلة في هذا الشهر، تَصَادف الإحتفال فيه بمناسبتين مهمتين، هما هجرة الرسول ويوم التسامح العالمي، وبهذا التوافق تتعضد الرسالة ويتأكد الفهم، فإن فاتنا درس التسامح في أسباب الهجرة وحيثياتها لم يفتنا في يوم التسامح العالمي.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

naeimaar@yahoo.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *