لكي نزدهر

لكي نزدهر

هنا الخلوة رغم الاكتظاظ، هنا التضحية رغم التماس النوال، هنا البياض رغم تفاوت الألوان، هنا “لبيك الله” رغم أنفس لم تعتد إلاّ لبيكِ نفسي وحياتي . وهنا الكثير غيره رغم الكثير خلافه. إنه الحج، رحلة نعاكس فيها ظرفنا ونعارض مكامن تأثرنا، ونعيش مساحة حال نؤكد بها خيارات هي غير ما تمليه أحوال تحيط بنا.

ولطالما كان هذا الأمر هو سيان في حياتنا، والتحدي هو ذاته ماثلا أمامنا نحن البشر، فهلا أصغينا لهمسات الحج هنا، وعشنا التحدي وملكنا إرادتنا ومسكنا بزمام قراراتنا، ولو خالفنا فيها ظروفنا وضغوطنا وكل مؤثر يدفعنا لأن نتجه بخلاف ما يفترض أن نتجه إليه. فكما هي أيام الحج لحجّاجه مساحة صغيرة وقصيرة يعيشونها بخلاف ما اعتادوا وما استسهلوا معاندين فيها ما اشتهوا ورغبوا، في سبيل فريضة الرحمن ورضاه سبحانه فيها، لتكن حياتنا كذلك تستمد من هذا الفيض، وتشيّد صرح عنادها الأنقى في سبيل قيمها وإنسانيتها.

نعم، إنه العناد الخيّر والمخالفة النقية، ومعاكسة النفس فيما تشتهيه وتستسهله، وهو درس بليغ نتعلمه من الحج وأيامه، ثراءً لأرواحنا وكمالاً لأنفسنا وخلاصًا في حياتنا. وذلك – العناد والمخالفة- من أجل أن نبقي ذواتنا في نطاق السيطرة ولا نكون ريشة في مهب رياح المؤثرات والضغوط حين تدفعنا بعيدًا عن قيمنا وأصالتنا، ومن أجل القيم النقية التي هُمّشت وغُرّبت لكي نعيد وجودها وألقها في عالمنا، ومن أجل كذلك أن نحتفظ لأنفسنا بـ (لا) إنسانية ثابتة وقوية نحارب بها من أجل الحب لكي لا يندثر أمام طوفان وغلبة المصالح والأغراض.

إن بقائنا كمجتمع إنساني متماسك في إنسانيته مرهون بنجاحنا في هذا التحدي اليومي والمستمر، وهو أن نفرض إرادتنا على الظروف والضغوط حين تدفعنا لأن نعيش بعيدًا عن نقائنا وثوابتنا الإنسانية، وتنحو بنا نحو التماهي مع فعل من حولنا ولو كان فيه ضربًا للقيم وعنادًا للمثل. إن هذا الطريق جدير بأن نتحمل المعاناة في سبيل سلوكه بل ونصبح فيه حتى أقوى من الألم مهما تضخّم وتزايد. وسعادتنا نحن البشر في النهاية مرهونة بهذا الأمر، وهو أن نحتفظ لأنفسنا بمساحة تحدٍ وعناد في حياتنا – بالمعنى الذي ذكرناه – من خلالها ننمو ونزدهر ونكتمل.

كلمة أخيرة….

ربما لا يستطيع أغلب الناس حج بيت الله وأداء هذه الفريضة لأسباب مختلفة، لكنهم حتمًا يستطيعون أن يعيشوا روح الحج ومضامينه في أوطانهم وأماكنهم، ويستحضروا في كل حين معارفه ودروسه في كل شئونهم وأمورهم، بل ويستطعيون كذلك أن يعيشوا نسكه وشعائره – بمعناها العملي والحياتي- على امتداد أعمارهم وحياتهم، وبذلك يكونون بالفعل حجاجًا لله بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ فياضة.

فلنبدأ الآن هذا الطريق ولنجيب أذان إبراهيم للناس بالحج بمساحة تحدٍ وعناد نعيشها من أجل الإنسانية وقيمها.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

bahws@batelco.com.bh