موهنداس غاندي.. صوت السلام والمحبة

موهنداس غاندي.. صوت السلام والمحبة

لم يكن ذلك الرجل ضئيل البنية الذي سعى جل حياته لتحرير شعبه من الإستعمار البريطاني بقائد حرب أو مقاتل أو حتى مجرد جندي مغمور، بل كان رجلاً أتقن فن العيش واختبر قوانين المحبة ومدى قدرتها على دحر الكراهية بين الخصوم والفرقاء، وعاش سلامه الداخلي مستضيئًا بفلسفته الراسخة عن اللاعنف وقدرته على تحقيق أي مطلب عادل.

لقد أولى غاندي نماءه النفسي وسموه الروحي والسلوكي الإهتمام الأكبر، فأضاءت كلأفعاله نتيجةً لذلك، فحين عاش على نحوٍ هادف متخليًا عن كل رغبة لمجدٍ شخصي أو منصب أو نفوذ، غمر السلام والمحبة أعماق كيانه وتوهج سلوكه ووُفّقت خطواته على نحو لافت، وفاض ما بداخله خيرًا على الآخرين، فحقًا كان مصداق لقول المتصوِّف الألماني.

مايستر إكهارت: “على الناس أن يفكروا مليا بما ينبغي عليهم أن يكونوه في ذواتهم. وبشكل أكبر من تفكيرهم في عملهم، لأنه إذا كانت طرائق معيشتهم صالحة فستتألق أعمالهم وضَّاءة بالبهجة”. لقد تمثّلت في غاندي روح هذه الكلمات فكان جلّ ما يفعله يشعّ بالصلاح والمحبة الكبيرة حتى لخصومه، حتى قال لمحتله البريطاني في أكثر من موطن: (نحن نريد دحر احتلالكم للهند ليس لأنه يؤذينا فقط بل لأنه يؤذيكم أنتم أيضًا).

إنه غاندي أمير المتسولين -وهو لقب أطلق عليه لحياته البسيطة-، ذلك الرجل الذي عاش حياة سمتها البساطة الشديدة التي تتقاطع مع التنظيم الشديد، والذي ازدان بروح شفافة ومرحة حتى في أحلك الأوقات، وكذلك الذي عُرف عنه دائما مقابلته الإزدراء بالإحترام.. والكراهية بالمحبة.. والغش بالمزيد من الصدق والأمانه، حتى أصبح في نهاية المطاف الكثير من ألد أعدائه أقرب أصدقائه.

إن غاندي لم يكن معجزة من معاجز السماء ليستطيع تحرير شعبه من احتلال جثم على روحه ومقدراته لأكثر من قرن، بل كان انسان وضع لبِنات كيانه الهادف وروحه الحرّة واحدةً تلو الأخرى، بادئًا بتشييد مثاله الشخصي حيث وضع نفسه في المقدمة في كل تحدٍ وفي كل ظرفٍ صعب، كما كان نموذجًا في تطبيق كل ما كان يؤمن فيه ويدعو إليه، وما كان (عصيان الملح) الذي دشّنه غاندي إلاّ مثال صارخ على هذا، حيث سار عشرات الأميال نحو شاطئ البحر ليستخرج حفنةً من الملح، متحديًا بهذا احتكار الحكومة البريطانية لتجارة الملح في الهند، وليعلن عبر هذا الفعل أنه من شعب يريد أن يحيا بكرامة.

كما كان رائدًا في المصاعب والتحديات، والتي كان أشدّها ما حدث في نهاية حياته، والتي كانت أكبر من أن يحتملها أي إنسان، ناهيك عن من هو في منتصف السبيعنيات من العمر، فقد استعرت عشية الاستقلال معارك الهندوس مع المسلمين، فطفق كل طرف منهم يرتكب المذابح في الآخر مع عجز شتى القوى عن إيقاف ذلك، إلاّ أن غاندي الذي يدعو ويؤمن بالتآخي والمحبة بين الأديان كافة والذي طالما تعبّد بتلك المبادئ في شعوره وسلوكه وقوله وفعله، قد واجه كل هذا منفردًا، متسلحًا بثقتة بالمثل التي يؤمن بها والقيم الوضّاءة التي يدعوا إليها، حتى سار طويلاً ببسالة استثنائية وحيدًا حافي القدمين في القرى النائية المكلومة يدعو للسلام ويحبب في التعايش ويعلم ذات المبادئ التي عاش بها.

إنه موهنداس غاندي.. صوت السلام والحب، إنه نموذج إنساني فريد لو وعته البشرية اليوم لأدركت أن الإنجاز الإنساني الأكبر.. وتحقيق السلام المستدام لا بد وأن يبدأ من الداخل، من نفس الإنسان أولاً.. ومن طرائق عيشه ودوائر تحدياته الصغيرة حين ينجح فيها، ومن مرانه المستمر لقدرته على الحب والصفح والتسالم مع الجميع مهما اختلف وتضادد معه. وذلك حتى يستطيع ان يحقق السلام والحب في الخارج وفي دوائره الأكبر والأوسع. فغاندي قبل أن يحرر شعبه قد عاش حياته ملتمسًا الحرية في ذاته الداخلية.. وناشدًا المحبة في قلبه.. وساعيًا لتحقيق السلام في أعماق روحه عبر أفعاله المخلصة وسلوكه النزيه ومآثره الجميلة…

فهل لنا اليوم في غاندي أسوة حسنة!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *