وهو عند الله عظيم

ما كانوا ملوكًا فاتحين، وما كانوا قادة متألّقين، ولا كانوا علماء أو عباقرة أو مخترعين، إذ لم يكونوا يومًا ربابنة في سفن الحياة أو قادةً لمعاركها. لكنهم مع هذا كله.. أبطالاً في مشاهدهم، وملوكًا في مواقفهم، وقادةً في كلماتهم. وكذلك علماء في أدوارهم وعباقرةً في مهماتهم، ومخترعين في طرقهم وأساليبهم التي تُعلي من أدائهم وإبداعهم. هم نوعٌ عظيمٌ من البشر تقلّدوا أدوارًا ربما لا يُلتَفت إليها في كثيرٍ من الأحيان ولا يشار لضرورتها أو يشاد بمدى إسهامها وإضافتها على الرغم من الأهمية الفائقة والكبيرة لها.

من هؤلاء العظماء جنود مغمورون ساهموا في منجزاتٍ مفصليّة في حضارتنا، ومنهم رواد لم يشتهروا بذلوا من أنفسهم وأعمارهم في مفارق رئيسية في تاريخنا، ومنهم كذلك من كانوا عابرين في دروب الحياة والزمان لم يُعرفوا أو يُتأمّل في مواقفهم، أو يُتخذ منهم منهاجًا لتعليم البشرية مع أهليتهم في أن يتسنّموا هذا الموقع، جاءوا فقط ليضيفوا ويكمّلوا ويؤدوا أدوارهم الإنسانية بإخلاص وحب ثم يرحلون سريعًا، وقبل أن يدرك أحد أنهم كانوا موجودين.

إن من أمثلة هؤلاء العظماء العابرين أخت نبي الله موسى والتي أشار القرآن الكريم لدورها في مشهديّن مهمّين، أولاهما عندما طلبت منها أمها بأن “قُصِّيهِ” أي أن تتتبّع أثر أخيها وثانيهما حين اقتراحها أمّها كمرضعةٍ للوليد “هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ”.

إن الدور الذي يعتبره البعض -ربما- هامشي وخارج بؤرة التركيز في قصة كليم الله والذي قامت به أخته، بدءًا منذ إلقاءه في اليمّ وتتبّعه، حتى عاد لحجر أمّه على إثر اقتراحها هو مكمّل لعميلة إنقاذ كبرى ابتدأت بها الأمّ لنبيٍ موعود، وبالتالي في الصورة الأكبر يعتبر هذا هو جزء من مسيرة الخلاص لبني إسرائيل والتي ستكون على يد هذا النبي المرسل.

إن الدور الذي قامت به أخت الكليم يضيف وعيًا جديدًا لكل متأملٍ فيه، ويفتح الباب على مصراعيه لفهمٍ ربما يغيب عن أذهان كثير من البشر للأسف، وهو أنه وإن بدت كثير من الأدوار هامشية أو ثانوية ولم تحظَ ببؤرة التركيز التي تستحقها، إلاّ أنها في حقيقتها وفي كونها جزء من مشهد كلي كبير تضيف له وتعطي فيه، تعتبر أدوارًا عظيمة وغايةً في الأهمية.

قد يتراخى البعض ويفقد الحافز في أداء بعض الأدوار والمهام بحجة أنها هامشية أو صغيرة أو غير ذات جدوى، ويغفل عن حقيقة مهمة وهي أن الأدوار الكبيرة هي مجموع الأدوار الصغير ومحصلةً لها. وهذه ليست دعوة لأن نبحث عن أدوار صغيرة ومحدودة بل هي دعوة لأن نقدّر ونثمّن كل دور وكل عمل مهما بدا صغيرًا وهامشيًا ونبذل فيه قصارى جهودنا مادام يصبّ في مسيرة بناء أو إصلاح أو يسير نحو تحضر ورقي.

إن باستطاعة أي إنسان أن يجعل من كل دور يقوم به وكل عمل يؤديه عظيمًا واستثنائيًا، مهما كان هذا الدور أو العمل شريطة أن يسعى هذا الإنسان ويبذل مجهوده وتفكيره وإبداعه فيه، وفي ذات الوقت هو من يتسبب في تضاؤل دوره  وتصاغر عمله إن لم يبذل الجهد والاهتمام والسعي المطلوب. فها هي أخت نبي الله موسى بالرغم من أن مهمتها – أو أبرز مهمّة لها عرفناها من خلال آيات القرآن- محدودة الهدف والزمن إلاّ أنها كانت استثنائية في دورها حيث أدّته على أروع وأكمل وجه، فقد تقصّت عن أخيها دون أن يشعر بها أحد وكانت مثال للحذر والحرص والحيطة “فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ”، وساهمت بحصافتها وقدرتها على الإقناع في إعادة أخيها لحجر أمّه، وذلك على الرغم من صعوبة الوضع حينها ودقّة الظروف والإرهاب الذي نشره فرعون.

إن الكثير من البشر يظنون أن أهمية دورهم في الحياة مرهون بمقامهم ومنزلتهم في المجتمع، وهذا وإن صدق في جانب إلاّ أنه في جوانب كثيرة الأمر يكون خلاف ذلك، فأخت موسى كانت مجرد أجيرة في قصر الفرعون لكنها استطاعت أن تؤدي هذه المهمة بقوة وفاعلية، بل وتوظّف مهنتها المتواضعة تلك في عملية إنقاذ أخيها.

ليس هناك دور ضئيل ودور عظيم، بل العظمة منوطة بمقدار الاخلاص والإتقان والشعور بالمسؤولية… هذا ما تعلّمنا إياه أخت النبي الكليم.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

naeimaar@yahoo.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *