يا أنتِ.. أيقظي الإبداع

يا أنتِ.. أيقظي الإبداع

لا تبصري نفسكِ في كل مرآة، ولا تصغي لوصفكِ في كل صوت ولا تقرأي عنوانكِ في كل كلمة. فأنتِ لستِ ذلك كله، بل ذاتٌ كتبت عنوانها في كل جميلٍ صنعته و أحسنته وأتقنته. فأكبر خطيئة قد ترتكبها المرأة ضد ذاتها، حين تنظر صورتها فيما يظنه غيرها، وتعتقد حقيقتها ما يعتقده فيها سواها، وتحددّ قدرتها بحدودٍ وضعها لها من يجهلها.

إن من الأمور العظيمة في أهميتها والمغفول عنها للأسف في حياة الكثير من النساء، سيما لهؤلاء اللاتي تتجاذبهن التزامات الحياة ومسؤولياتها. هي محاولة الاحتفاظ بمساحة خاصة ومستقلة في حياتهن، يقتطعن فيها من يومهن الحافل وقتاً نوعياً، مبتعدات عن ضجيج الحياة وضغوطها، ويعتبرنه كساحة إبداع خاصة يكتشفن فيها ذواتهنّ المجهولة التي طمرتها صعوبات الحياة ومشاكلها، ويصغين فيها لصوتهن الداخلي التواق للإبداع والإضافة المتميزة والعطاء المختلف. ويدركن عبره مقدار ما تحوي ذواتهنّ من قدرات ومهارات ومواهب وعناصر تميز مختلفة.

وتكون تلك المساحة هي ميدان تفعيل لتلك القدرات والمهارات على اختلافها، سواءً في صورة ممارسة لإحدى المواهب المفيدة وتطويرها أو الحرف المتميزة وتعزيزها، أو النزوح والتوجه نحو المجال التطوعي والخدمة الاجتماعية، أو أي ميدان ومجال آخر متميز يشعرهنّ بقيمتهن ويمكنهنّ من إبصار أنفسهن الحقيقية وأبعادها.

ومن جهة أخرى، فإنهنّ يرسمن في تلك المساحة الخاصة مسارا جديدا وإضافيا يكون لهنّ كوصف وعنوان آخر، يكون بجانب وصف ربة بيت أو موظفة أو زوجه أو… -مع الاحترام والتقدير الكامل لكل تلك الأدوار-. وهذا بطبيعة الحال من شأنه أن يثري وجود كل امرأة، ويُشبع توقها وحاجتها الداخلية للإبداع والقيمة المتميزة والبصمة والإضافة للعالم والبشرية. وكذلك ومن زاوية أخرى لَكَم سيضيف هذا لمن حولها أيضًا، لأنها ستشعر بالإمتلاء والرضا والشعور بالمزيد من القيمة، لأنها اكتشفت أبعادها الأخرى ووظّفتها وأضافت بها، وبالتالي ستكون أقدر وأكثر ثقة لأن تعطي المزيد لمن حولها.

تلك المساحة الخاصة هي ما ينبغي أن تجعلها المرأة مرآة نقية وصادقة ترى بها حقيقتها، وتواجه بها كل أصوات الإحباط والتثبيط تلك الخارجية منها والداخلية، وكل النداءات التي تريد ترسيخها كجنس محدود في قدراته وعطاءاته ومؤطر في زوايا محدودة ومحددة.

إن الاحتفاظ بمساحة إبداع في حياة كل امرأة، كفيل بأن يبرز طاقات خلاّقة ويكشف مكامن لقدرات نادرة ومتميزة، من شأنها أن تضيف الكثير لإنساننا وتطوّر من عالمنا، إلاّ أنها لن تبرز إلاّ إذا أعطيت مستوىً من الانتباه والوقت والاهتمام. وحقيقةً إن هذا هو جانب ينبغي أن يلتفت إليه الجميع ولا يختص بالمرأة دون الرجل، ولكننا ركزّنا ونظرنا هنا إليها بالخصوص، كونها أكثر من يبخس حقها في أن تنال مساحة إبداع خاصة بها وذلك لأسباب مختلفة –أسرية ومجتمعية وغيرها-.

لا بد أن تحرر المرأة مراياها من عيون غيرها وظنونهم فيها، وتطلق أحلامها بعيدا عن كلماتهم وتصوراتهم عنها، لتحرر أخيرًا إبداعها من أرهان الحياة ومشاكلها ومشاغلها، لأن حقيقتها هي هنا.. في إبداعها، لا في ظنون غيرها.

نعيمة رجب

جمعية البحرين النسائية – للتنمية الإنسانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *